النزوح والعودة.. قصة أسد ولبوة تعيد تعريف الضحايا في السودان

 أمير بابكر عبد الله

لم يكن الأسد واللبوة يعلمان أن الخرطوم ستغدو مدينة طاردة، ولا أن الحرب التي هجّرت ملايين البشر ستطالهما هما أيضًا. فمع تصاعد المعارك في العاصمة، أُجبر الحيوانان، إلى جانب عشرات الحيوانات البرية الأخرى، على مغادرة موقعهما في إجلاء اضطراري، على مغادرة موقعهما في إجلاء اضطراري، ليبدآ رحلة نزوح غير مسبوقة من الخرطوم إلى مدني، ثم إلى كسلا، هربًا من العنف ذاته الذي دفع السكان إلى الفرار من بيوتهم.

فكما نزح الناس من مدينة إلى أخرى بحثًا عن النجاة، نزحت الحيوانات البرية قسرًا، بلا خيار ولا صوت، محمولة على شاحنات أو محاصرة في أقفاص مؤقتة، تدفع ثمن صراع لم تكن طرفًا فيه. الحرب، في السودان، لم تكتفِ بإفراغ القرى والمدن من سكانها، بل أعادت رسم خرائط الحياة البرية نفسها.

كيف بدأت القصة؟

حصاد الصحفيين السودانيين 2025.. انتهاكات ممنهجة وحضور دولي وإقليمي لافت

 أمير بابكر عبد الله

نشؤ في ألترا صوت

وجهان للحرب أطلَّا على مجتمع الصحفيين في السودان، فمنذ اندلاعها في أبريل 2023 استقبل الصحفيون وجه الحرب الأول في أبرز تجلياته، من انتهاكات وعنف غير مسبوق. ومع اقتراب الحرب من إكمال عامها الثالث بلغت مجمل الانتهاكات في حق الصحفيين 590 حالة ما بين قتل متعمد وقتل بسبب القصف العشوائي واحتجاز وتعذيب وتشريد، هذا غير القيود على العمل الصحفي. ولم يخل العام المنصرم من هذه التداعيات، بل تجاوزت الانتهاكات حدود البلاد لتطال بعض الصحفيين في الخارج.

لكن من بين كل هذا الركام يطل الوجه الآخر؛ وجه مليء بالإصرار على مواجهة التحديات والاستمرار في أداء المهام الصحفية رغم كل المصاعب، لتتوج تلك الجهود بتسجيل إسهامات الصحافة والصحفيين السودانيين في دفتر الانجازات الدولية والإقليمية، كاشفة عن قدرة استثنائية وعزيمة لاداء المهام الصحفية وكشف تداعيات الحرب وآلام وآمال المواطنين وحكاياهم.

التقرير السنوي للنقابة

كشفت نقابة الصحفيين السودانيين، في تقريرها السنوي عن الحريات الصحفية لعام 2025، عن تدهور غير مسبوق في أوضاع حرية الصحافة وسلامة الصحفيين في السودان، في ظل استمرار النزاع المسلح للعام الثالث على التوالي منذ اندلاعه في أبريل 2023، محذّرة من تحوّل الصحفيين إلى أهداف مباشرة في سياق الصراع.

مقترح على طاولة الاتحاد الأوربي.. هل تعود قوات حفظ السلام إلى دارفور مرة أخرى؟

 أمير بابكر عبد الله

نشر على موقع ألترا صوت

للسودان تجارب عديدة مع البعثات وقوات حفظ السلام الأممية، التي لازمت الحروب الداخلية خاصة في ظل حكم الرئيس عمر البشير الذي امتد من 1989 وحتى 2019.

ومع تعالي الأصوات داخل السودان على الصعيد الإقليمي والدولي بضرورة حماية المدنيين في ظل التدهور الأمني بسبب الحرب الدائرة الآن، وضع على طاولة الاتحاد الأوربي مقترح إنشاء قوة لحفظ السلام في دارفور بتمويل وآلية مساهمة مختلطة بالتنسيق مع الاتحاد الأفريقي.

المقترح الذي لا يزال في طور الدراسة، بحسب مصادر صحفية، والذي تعكف على دراسته دوائر مختصة بالاتحاد لم يكون وليد اللحظة بل تقدمت به هيئات تابعة للاتخاد الأفريقي منذ العام 2024، مع التدهور المريع للأمن في أقاليم السودان بسبب الحرب وبصفة خاصة في إقليم دارفور الذي سيطرت عليه قوات الداعم السريع بالكامل بدخولها مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، آخر المواقع التي كانت تحت قبضة الجيش السوداني حتى أكتوبر الماضي.

عندما تُحسب المقابر بالمجموعات: تقرير ييل يكشف نمط القتل الجماعي في الفاشر

 أمير بابكر عبد الله

نشر في موقع لألترا صوت

"لا وقت لدينا لتصنيفهم ودفنهم في مقابر عادية، فإن أعدادهم كبيرة. من الأفضل أن نحرقهم"؛ هذا ربما دار في أذهان قادة قوات الدعم السريع وهو يشاهدون أعداد الجثث المترامية أمامهم بعد أن أوسعوا أصحابها رصاصاً دون تمييز بين كبير وصغير، إمرأة ورجل.

هذا ما اضطر مختبر ييل للأبحاث الإنسانية أن يحدد المقابر، التي رصدها عبر أدواته المعروفة، كمجموعات تحوي داخلها أعداداً غير محددة من القتلى، طالما كانت متوافقة مع بقايا بشرية في جميع أنحاء الفاشر وشمال دارفور وحتى الجدران الترابية أو السواتر بعد أن سيطرت قوات الدعم السريع على الفاشر.

ونشر مختبر الأبحاث الإنسانية التابع لكلية ييل للصحة العامة بالولايات المتحدة الأمريكية، في 16 ديسمبر الجاري، تقريراً مفصلاً تحت عنوان "قوات الدعم السريع: عمليات قتل جماعي منهجي والتخلص من الجثث في الفاشر، شمال دارفور"، في الفترة من 26 أكتوبر إلى 16 ديسمبر 2025.

عودة الحكومة السودانية إلى الخرطوم.. آمال عريضة هل تبتلعها التحديات؟

أمير بابكر عبد الله

نشر في موقع ألترا صوت

حملت السلطة التنفيذية حقائبها يتقدمها رئيس الوزراء، كامل إدريس، عائدة لمزاولة أعمالها من العاصمة السودانية الخرطوم بعد 1000 يوم غياب. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023 أغلقت الدولة مؤسساتها في الخرطوم بعد أن بسطت قوات الدعم السريع سيطرتها على القصر الرئاسي والمناطق المحيطة به والتي تشمل كل مقار العمل الوزاري والحكومي، إلى جانب حصارها للقيادة العامة للجيش التي يقع مقرها في قلب العاصمة.

أجبر هذا الوضع اتخاذ مدينة بورتسودان الساحلية، التي تبعد عن العاصمة بنحو 900 كيلومترا بالطريق البري، مقراً إدارياً لمجلس السيادة والوزارات والمؤسسات الحكومية كعاصمة مؤقتة ومقراً لإدارة شؤون الدولة.

دافع العودة والتحدي الأمني

إذا كان سبب انتقال الدولة بمؤسساتها من الخرطوم إلى بورتسودان متعلق بالأوضاع الأمنية التي خلقتها الحرب وتداعياتها، فمن الطبيعي ارتباط العودة بانتفاء أسباب الانتقال.

المليشيات في السودان.. الثور في مستودع الخزف

أمير بابكر عبد الله

نشر في موقع ألترا صوت

شهدت عدة ولايات في السودان احداثاً لافتة خلال الأسبوع الماضي على علاقة بالمشهد العام للحرب الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف. وهي أحداث مرتبطة بظاهرة التنامي والتكاثر للمليشيات المسلحة التي شهدتها البلاد في إطار حالة الاستنفار العامة التي أطلقتها السلطات لمواجهة قوات الدعم السريع.

ربما كان هذا المشهد هو الجزء الظاهر من الصورة التي يراها المتابع للأحداث المتلاحقة بعد إندلاع الحرب في 15 أبريل 2023. لكن بالكشف عن كامل الصورة يتضح أن مسألة المليشيات العسكرية لها جزورها الضاربة في مسيرة الحكم الوطني، وإنها ذات علاقة وثيقة بالتطورات السياسية منذ أول قرار للسلطات، السياسية والعسكرية التي حكمت البلاد، بالتعامل مع أدوات الرفض وآلياته المتمثلة في التمرد المسلح بدلاً عن التعامل مع أسبابه.

ظل هذا حال الدولة السودانية؛ مستودع خزف في هشاشتها منذ الاستقلال في يناير 1956، والذي تأسس على قاعدة التمرد العسكري عليها قبل نحو عام من إعلانه رسمياً. إذ لم يكن التمرد الأول بدون أسباب، سياسية وتنموية، ولم تكن كل حلقات استمرار الحرب بين السلطة مستخدمة أجهزة الدولة والرافضين لساساتها أو المطالبين بحقوقهم، بلا رابط بهذه الأسباب. ومع استمرار غياب الدولة وتماهي مؤسساتها مع السلطة الحاكمة، أياً كانت، ومع تعمد تغييب أي محاولات للنهوض بمشروع وطني متراضٍ عليه، كان النتيجة هذه السيولة والهشاشة التي دفعت السلطات وأجهزتها العسكرية والأمنية إلى تبني سياسة محاربة المليشيات بالمليشيات، أي بخلق ثورِها الذي ستضعه مضطرة داخل مستودع الخزف.

رٌشِّحت لنوبل للسلام.. غرف الطواريء السودانية حاصدة الجوائز العالمية

أمير بابكر عبد الله

نشرت في موقع ألترا صوت

لم يكن مفاجئاً أن تختم غرف الطواريء السودانية العام الجاري بفوزها بجائزة المعهد الملكي للشؤون الدولية، المعروف بـ"تشاتام هاوس" في لندن، للعام 2025. فما أنجزته غرف الطواريء شيء أشبه بالمعجزة تحت وطأة حرب ضروس وظروف حياتية أقل ما يمكن أن توصف به أنها غير مناسبة للآدميين، لما خلفته من آثار وحشية.

ومعروف أن الحرب السودانية، التي اندلعت في 15 أبريل 2023 ولا تزال مستمرة، تسببت في انهيار مؤسسات الدولة وتدهور الخدمات الأساسية أو انقطاعها في أجزاء واسعة من البلاد. وخلف خروج بعض المنظمات الإنسانية فراغا كبيرا، الأمر الذي سبب معاناة للمدنيين المستضعفين الذين يحتاج الملايين منهم للمساعدات الإنسانية الضرورية،  وأدت إلى نزوح الملايين من مناطقهم الأصلية إلى ولايات مستقرة نسبياً، وبعضهم اختار اللجوء إلى دول الجوار، بينما بقيت النسبة الأكبر من المدنيين داخل مناطق النزاع وداخل خطوط نيران المعارك.

في هذه الظروف عملت غرف الطواريء السودانية ومنذ الطلقة الأولى في مساعدة المدنيين سواء داخل مناطق النزاع أو في مراكز النزح واللجوء، لمقابلة الاحتياجات اليومية والخدمية من غذاء وصحة إلى محاولات جادة لمواصلة تعليم الأطفال.

هذه الجهود الاستثنائية في الاستجابة للاحتياجات الانسانية التي تصدى لها شباب وشابات من مختلف أنحاء السودان، كانت مثار دهشة للكثيرين في العالم ووجدت من الاستحسان والتشجيع ما جعل من غرف الطواريء حاصدة للجوائز العالمية.

بابنوسة سُرًّة كردفان.. قصة مدينة سودانية صُلِبت مرتين

 أمير بابكر عبد الله

موقع ألترا صوت

بابنوسة.. تلك المدينة كانت بمثابة قلب الدورة الصغرى للسودان الكبير قبل إنفصال الجنوب وإعلان دولة جنوب السودان، إذ مثلت أهم مدن البلاد وهي التي ربطت مدن الغرب في أقصى إقليم دارفور بوصول خط السكك الحديد إلى مدينة نيالا، وعمق الجنوب وهي تمد زراعيها لمدينة واو في عمق إقليم بحر الغزال في جنوب السودان.

 وكأنما تآمرت عليها الأحداث مرتين، أو كما قتل شخوص الروائي اليوناني كزانتزاكس المسيح مرتين؛ فالمدينة التي تقع في إلى الغرب من إقليم كردفان اكتسبت أهميتها ليس من موقعها الجغرافي الاستراتيجي فحسب، بل لعوامل أخرى إذ تعتبر المركز الحضري الثالث لقبيلة المسيرية، بعد مدينتي المجلد والفولة والتي تقف على رأسها أسرة القيادي الأهلي، الناظر بابو نمر. كما أنها تتوسط حزام الصمغ العربي مما يعزز من موقعها الاقتصادي والتجاري، وتعتبر مركز لتجارة المحاصيل الزراعية مثل الفول السوداني والكركديه وحب البطيخ والذرة. هذا غير أهميتها العسكرية، في ظل دولة ظلت غارقة في الحروب منذ استقلالها.

الواقفون على ضفة السلام وأصحاب المواقف الرمادية

 أمير بابكر عبد الله

لفت انتباهي منشور للصديقة العزيزة زهرة حيدر، وهي مثال للمرأة السودانية القوية التي لا تستسلم؛ لفت انتباهي أنها وقعت في خطأ توصيف موقف الرافضين للحرب والواقفين على ضفة السلام بأنه "موقف تالت وأخلاقي".

 

صحيح تماماً إنه موقف أخلاقي ولكنه ليس موقف "تالت"، وإنما هو الموقف الثاني وهو موقف ليس محايد كما يروج له البعض. فهناك ضفتان في المشهد السوداني الآن، ضفة المؤيدين للحرب والمنخرطين فيها فعلياً هنا وهناك، ويرون أنها الحل الوحيد لتحقيق مصالحهم دون مراعاة للمصالح الكلية، إذ تقتصر فائدتها على ما تحققه لهما. وهناك ضفة الرافضين للحرب جملة وتفصيلا ويرون أن السلام وأدوات الحوار هي الطريق إلى حل المشكلات والأزمات وهي طريق البناء بدلاً عن التكلفة العالية التي يدفع ثمنها الجميع وقوفاً في ضفة الحرب، خاصة إنها حرب بين أبناء وطن واحد.

صعود وسقوط أيقونة أفريقية. آبي أحمد علي: من فائز بجائزة نوبل للسلام إلى تهديد أمني إقليمي؟

 المؤلف: ماريو لوزانو ألونسو

دكتوراه في التاريخ والآثار. أستاذ مشارك في جامعة سان داماسو الكنسية

نشر بالانجليزية في مجلة المعهد الإسباني للدراسات الاستراتيجية

ISSN-e: 2255-3479

الملخص

تسعى هذه المقالة إلى تحليل الأحداث الرئيسية التي وقعت في إثيوبيا منذ تولي رئيس الوزراء آبي أحمد السلطة في أبريل 2018 حتى سبتمبر 2024. خلال الأشهر الأولى من ولايته، تمتعت شخصيته العامة بصعود صاروخي، وتوجت بحصوله على جائزة نوبل للسلام في عام 2019 ، ليصبح بعد ذلك غير محبوب على نطاق واسع في البلاد، خاصة بين شعبي الأورومو والتيغراي.

ستناقش المقالة هنا نجاحات سياسته، المكثفة في أيديولوجية "مدمّر" (Medemer) ، بالإضافة إلى إخفاقاته، خاصة تلك المتعلقة بحرب تيغراي، وصراع الأورومو، والتمرد الأمهرى في فانو، والأزمة الأخيرة بشأن وصول إثيوبيا إلى ميناء على البحر الأحمر.

الأنومية وأسباب أنيميا الخطاب الإعلامي السوداني في زمن الحرب

 

أمير بابكر عبد الله

في أوقات الحرب، تُصنع الأكاذيب قبل القنابل

نعوم تشومسكي

"لما ضاقت فضاءات النقاش العام في زمن الحرب، ازداد خطر تآكل العقلانية الديمقراطية

يورغن هابرماس

الحرب تُحوّل الإعلام من أداة لنقل المعلومات إلى ساحة معركة رمزية تُدار فيها شرعية القوة

مانويل كاستيلز

 

مع انهمار القذائف المدفعية والجوية وانهيار البنايات والبنى التحتية بفعل الحرب الدائرة حتى الآن بين السودانيين، انهارت معها القيم وتحللت مع تحلل الجثث المتناثرة على الشوارع المعايير التي كانت تمثل وثاقاً يضبط حركة المجتمع.

 هذه الحالة من التراجع المعياري والقيمي الاجتماعي يطلق عليها في علم الاجتماع "الأنومية" "Anomie"، وهو مصطلح ومفهوم صكه عالم الاجتماع الفرنسي إيميل دوركهايم في أواخر القرن الـ19.

 واتُّفِق على تعريفه بحالة عدم الاستقرار أو حالة الاضطراب والقلق لدى الأفراد بسبب انهيار المعايير والقيم الاجتماعية أو الافتقار إلى الهدف والمثل العليا، او بصورة أخرى يُقصد به حالة من "اللامعيارية" أو "غياب القواعد" في المجتمع.

 وبحسب "مدونة عرب سوسيو"، فإن حالة الأنوميا تحدث في ظل حالة التفكك التنظيمي لمؤسسات المجتمع وانهيار المعايير والانفصال بين الأهداف الاجتماعية المعلنة والوسائل الصحيحة لتحقيق هذه الأهداف، والتناقض الفاضح بي ما يشاع من أيديولوجيات رسمية وبين ما يجري على أرض الواقع. ويشعر المرء نفسياً بالاغتراب والعبثية والانهيار الأخلاقي مما ينعكس سلباً وعزلة وانحرافا.

 باختصار، إن مقولة "أظهرت الحرب السودانية الدائرة منذ أكثر من عامين ونصف العام، أسوأ ما فينا" هو تعريف عملي تطبيقي لما بات يعرف بـ"الأنومية".

جسر المك نمر-رواية- الفصل الخامس عشر

 

عدت من الزقاق هذه المرة مشوشاً تتجاذبني الهواجس والشكوك. لم يعد الزقاق كما كان قبل نصف قرن من الزمان، تغييرات كثيرة طالته، خاصة عندما حاولت السلطات إعادة تخطيط المدينة بعد أن صار في منتصفها بفعل تمدد العمران وانتشار العديد من الأحياء السكنية حوله. لكنه ظل كما هو زقاق تمتد على جانبيه ذات المنازل الستة عشر وإن كان شكلها قد تغير عما كانت عليه وتفرعت عنه عدة ازقة مجاورة ، فبعد بيوت الطين القصيرة أطلت على الزقاق بيوت اسمنتية بعضها تسامق عدة طوابق. كل ما استطاعت السلطات أن تفعله ، بعد استحالة عملها في طرقاته الداخلية، هو الشارع الأسفلتي الذي استقطعته من الجرف على الشريط النيلي من الناحية الشرقية للزقاق، وكذلك الشارع الواقع غربه حيث استثمر أصحاب البيوت المطلة عليه ذلك الوضع، بعد توسعة الشارع ، ليفتتحوا محال تجارية أصبحت مركزا ضخماً للعديد من الخدمات.

 

جسر المك نمر-رواية- الفصل الرابع عشر

 

من يشاهد عبد السيد بعد كل تلك السنوات في موقع محايد، تصيب معاقل الدهشة فيه شظية من الرغبة في الهتاف إعجاباً، بينما تلك العرجة التي بدت مؤخراً بائنة خفيفا في قدمه اليسرى والمتسقة مع الشيب الرمادي الذي صبغ معظم شعره واللحية المشذبة المحيطة بوجهه ، تضفي عليه شعوراً مُعذّباً من تأنيب الضمير كمًّن تسببت فيها، تجعله يتنحي جانباً ليسمح له بالمرور ويشدُّه صدره إلى الأمام في إنحناءة تنم عن تقدير واحترام ظاهرين. لكن يظل لون إنسان عينيه الأخضر مصدر تساؤل مستمر دون إجابة قاطعة سوى همس متسرب سرعان ما تنسد منافذه بلا سبب واضح. وهو ما جعل الصحف تطلق عليه إسم الأخضر في كل حدث مرتبط به بعد ان سطع نجمه في عوالم متعددة.

 

جسر المك نمر-رواية- الفصل الثالث عشر

 

لم يشغل كل ذلك عبد السيد عن الاهتمام بأخته ليلى من على البعد دون أن يلفت الأنظار إليه، تجنب التواصل معها مباشرة إلى أن تزوجت، فدخل عليها بصحبة الزاكي ليهنئها، واستمرت عنايته بالزاكي وأحواله بعد انتقاله مع أمه من الزقاق عقب وفاة مروان. هما معاً يحملان إسمه؛ لا سبيل لأن يتجاوز هذا الواقع، وكان أكثر حرصاً على استمراره مع علمه بأن الحقيقة لا علاقة لها بهذا الواقع. لم يهرب منه في مسارات الحياة التي أخذته بعيداً يوم أن حمل حقيبته ورحل. وقتها كان الزاكي صغيراً، يصغره بعدة أعوام وحينما سار ماشياً على قدميه، ظل ممسكاً بيديه تجنباً لعثرات المرحلة الأولى وخوفاً عليه من السقوط، كل هذا كان بعيداً عن نظرات مروان، قبل أن يعود راجعاً إلى حضن الرضية. لم يفكر في وداعه يوم أن غادر، لم يخطر بباله أن يودع الزاكي وأمامه الأفق مفتوح على سماوات لا تشبه تلك التي ظلًّتهما. عاوده الاهتمام به بعد رحيلهما هو ووالدته، لا يدرك كنه ذلك الشعور الذي ينتابه كلما رآه في سوق وسط المدينة، وكانا قد كبرا بما يكفي. يأخذه في حضنه ويدس بين يديه مبلغاً من المال بعد سؤاله عن أحواله. لم يشك الزاكي يوماً في صلته بعبد السيد وأن تلك الروح داخلهما لا تنفصلان، عندما يرى وجه أمه مقطباً حين ترد سيرة عبد السيد، يرجع السبب إلى أنها ليست أمه بل إبن ضرتها.

 

جسر المك نمر-رواية- الفصل الثاني عشر

 

بعد تلك الدموع التي ذرفها عبد السيد مع خروج آخر الجنود الانجليز، وذلك الاحساس باليتم الحقيقي الذي انتابه، استيقظ بعقل أكثر انفتاحا. ليس له سوى هذا العقل وهذين العينين الخضراوين لإدارة معاركه المقبلة. هؤلاء الناس الذين يراهم يتوافدون كل يوم إلى بيت سعاد الكبير، سيستغلهم ليفتحوا أمامه كل الأبواب فيما بعد. لا يشغل باله بالعوام الذين لا يهتمون كثيراً لأمثاله ولا فائدة يرجوها منهم سوى تلك الضحكات البائسة ونفحاتهم النادرة التي يهبونها له في غمرة سكرتهم أو إنتظاراً لإطفاء نيرانهم المشتعلة أسفل بطونهم في واحدة من تلك الغرف الضيقة، فهؤلاء لا يكترثون لشيء ولا يمكن الإمساك بسقطاتهم فهم أول من يعلنونها. عليه الاهتمام بأولئك الخائفين، الذين يأتون خلسة من علية القوم، يختبئون خلف الظلام، ويديرون نهار أعمالهم في الليالي الماجنة بعيداً عن الأعين.